فخر الدين الرازي

285

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يحتمل أن يكون ما مفعولا وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون فاعلا يقال : ضربه من ضربه ، وعلى هذا نقول : يحتمل أن يكون الذي غش هو اللّه تعالى فيكون كقوله تعالى : وَالسَّماءِ وَما بَناها [ الشمس : 5 ] ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى سبب غضب اللّه عليهم أي / غشاها عليهم السبب ، بمعنى أن اللّه غضب عليهم بسببه ، يقال لمن أغضب ملكا بكلام فضربه الملك كلامك الذي ضربك . ثم قال تعالى : [ سورة النجم ( 53 ) : آية 55 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ( 55 ) قيل هذا أيضا مما في الصحف ، وقيل هو ابتداء كلام والخطاب عام ، كأنه يقول : بأي النعم أيها السامع تشك أو تجادل ، وقيل : هو خطاب مع الكافر ، ويحتمل أن يقال مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يقال : كيف يجوز أن يقول للنبي صلى اللّه عليه وسلم : تَتَمارى لأنا نقول هو من باب : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] يعني لم يبق فيه إمكان الشك ، حتى أن فارضا لو فرض النبي صلى اللّه عليه وسلم ممن يشك أو يجادل في بعض الأمور الخفية لما كان يمكنه المراء في نعم اللّه والعموم هو الصحيح كأنه يقول : بأي آلاء ربك تتمارى أيها الإنسان ، كما قال : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [ الانفطار : 6 ] وقال تعالى : وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [ الكهف : 54 ] فإن قيل : المذكور من قبل نعم والآلاء نعم ، فكيف آلاء ربك ؟ نقول : لما عد من قبل النعم وهو الخلق من النطفة ونفخ الروح الشريفة فيه والإغناء والإقناء ، وذكر أن الكافر بنعمه أهلك قال : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى فيصيبك مثل ما أصاب الذين تماروا من قبل ، أو تقول : لما ذكر الإهلاك ، قال للشاك : أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ اللّه إياك : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى وسنزيده بيانا في قوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * [ الرحمن : 13 ] في مواضع . ثم قال تعالى : [ سورة النجم ( 53 ) : آية 56 ] هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى ( 56 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : المشار إليه بهذا ما ذا ؟ نقول فيه وجوه أحدها : محمد صلى اللّه عليه وسلم من جنس النذر الأولى ثانيها : القرآن ثالثها : ما ذكره من أخبار المهلكين ، ومعناه حينئذ هذا بعض الأمور التي هي منذرة ، وعلى قولنا : المراد محمد صلى اللّه عليه وسلم فالنذير هو المنذر و ( من ) لبيان الجنس ، وعلى قولنا : المراد هو القرآن يحتمل أن يكون النذير بمعنى المصدر ، ويحتمل أن يكون بمعنى الفاعل ، وكون الإشارة إلى القرآن بعيد لفظا ومعنى ، أما معنى : فلأن القرآن ليس من جنس الصحف الأولى لأنه معجز وتلك لم تكن معجزة ، وذلك لأنه تعالى لما بين الوحدانية وقال : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى [ النجم : 55 ] قال : هذا نَذِيرٌ إشارة إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم وإثباتا للرسالة ، وقال بعد ذلك : أَزِفَتِ الْآزِفَةُ [ النجم : 57 ] إشارة إلى القيامة ليكون في الآيات الثلاث المرتبة إثبات أصول ثلاث مرتبة ، فإن الأصل الأول هو اللّه ووحدانيته ثم الرسول ورسالته ثم الحشر والقيامة ، وأما لفظا فلأن النذير إن كان كاملا ، فما ذكره من حكاية المهلكين أولى لأنه أقرب ويكون / على هذا من بقي على حقيقة التبعيض أي هذا الذي ذكرنا بعض ما جرى ونبذ مما وقع ، أو يكون لابتداء الغاية ، بمعنى هذا إنذار من المنذرين المتقدمين ، يقال : هذا الكتاب ، وهذا الكلام من فلان وعلى الأقوال كلها ليس ذكر الأولى لبيان الموصوف بالوصف وتمييزه عن النذر الآخرة كما يقال : الفرقة الأولى احترازا عن الفرقة الأخيرة ، وإنما هو لبيان الوصف